رأي

«بعثة إيرفد»: الفرصة الإنمائية الضائعة - جريدة السفير

نشر هذا المقال في جريدة السفير بتاريخ 2016-06-18 على الصفحة رقم 12 – قضايا وآراء

 
 - Jul 05, 2016



 في الثالث والعشرين من شهر تشرين الأوّل من العام 1959، تعاقدت الحكومة اللبنانيّة، بشخص وزير التصميم العامّ فؤاد بطرس مع «مؤسّسة إيرفد» فرنسا، بشخص رئيسها الأب لويس جوزف لوبريه، لإرسال إحدى بعثاتها للعمل في لبنان، بناءً على رغبة الرئيس الراحل فؤاد شهاب، الذي تعرّف إلى الأب لوبريه بواسطة صديقه المرحوم المونسنيور يوحنا مارون، راعي كنيسة مار جرجس المارونيّة، في وسط بيروت، وأحد مديري مدرسة الحكمة السابقين، وكان يومها سفيراً للبنان لدى الأونيسكو في باريس.
كان العقد يقضي بقيام «بعثة إيرفد» بإجراء دراسة شاملة للأوضاع الاقتصاديّة والاجتماعيّة في لبنان وإعداد برامج عمل على ضوئها، لتستنير بها الحكومة اللبنانيّة في تسيير الأعمال الحكوميّة، بدل الارتجال الذي كان سائداً في البلاد. طلب الأب لوبريه من الحكومة اللبنانيّة إرسال خبيرين لبنانيّين في الاقتصاد لمتابعة دورة تدريبيّة على الأعمال الإنمائيّة في «مؤسّسة إيرفد» في فرنسا، فوقع الاختيار على محمد خير جنّون وجبرايل حنّا يونس، كاتب هذه السطور.
في كتابه «بعثة إيرفد: الفرصة الإنمائية الضائعة» الذي صدر مؤخراً، والذي تنشر «السفير» مقتطفات من فصله الثاني، يشرح جبرايل يونس عمل «بعثة إيرفد» بعدما أتت في مطلع كانون الثاني من العام 1960 للعمل في لبنان تنفيذاً للعقد الذي وقعته مع الحكومة اللبنانيّة، ووضعت دراسات شملت القطاعات التالية:

السكان
كانت معرفة العدد الحقيقي للسكان في لبنان من الصعوبة بمكان لأنّه لم يجرِ بعد إحصاءات العام 1932 أيّ إحصاء آخر، بل جرت تصحيحات إداريّة تقريبيّة كان آخرها في العام 1953 قُدّر على أساسها العدد بـ 1,416,000 نسمة، بما في ذلك عدد المهاجرين الذين غادروا لبنان قبل العام 1924، الذين ظلوا متمسّكين بجنسيّتهم اللبنانيّة ويربو عددهم على 350,000 ألفاً. لكن هذا الرقم أصبح مغالى فيه نظراً للوفيات التي حصلت منذ ذلك التاريخ، ولعدم تسجيل أبنائهم في سجلّات النفوس اللبنانيّة.
لا يشمل هذا العدد السكان غير اللبنانيين المقيمين على أرض لبنان من فلسطينيّين وسوريّين وغيرهم. يرى الخبراء أنّ الزيادة السنويّة في عدد السكان، تتراوح بين 1.7 و2.5 في المئة، وقد اعتُمد الرقم 2,3 كأقرب ما يكون إلى الواقع، وعلى هذا الأساس يكون عدد السكان في العام 1959، 1,626,000 نسمة. أمّا إذا أخذنا في الاعتبار عامل الهجرة الذي بدأ في القسم الثاني من القرن التاسع عشر، والذي استمرّ بوتيرة سنويّة بحدود ثلاثة آلاف مواطن لسنوات متتالية تصاعد بعدها لفترة وجيزة إلى 10,000 ثمّ عاد إلى مستواه الأول، يصبح بإمكاننا أن نخفض نسبة الزيادة السنويّة 0,3 في المئة فيكون معدل الزيادة الصحيح هو 2 في المئة بدل 2.3 في المئة. إنّ شعب لبنان هو شعب فتيّ، نصفه دون سنّ العشرين و43 في المئة منه دون الستين و7 في المئة فقط فوق هذه السنّ، كما أنّ نسبة الذكور هي أعلى من نسبة الإناث بعكس معظم بلدان العالم.
يعمل في الزراعة نصف عدد السكّان بطريقة مباشرة أو غير مباشرة. ويعمل في التجارة والنقل والمصارف والخدمات حوالي 18 في المئة، ويعمل في الأعمال الحرّة والإدارة، باستثناء الجيش، 14 في المئة، أمّا في الصناعة فلا يعمل إلّا خُمس اليد العاملة فقط، وهي سمة من سمات التخلف في البلدان التي هي في بداية الطريق إلى النموّ.

الناتج الوطني
منذ بضع سنوات أصبحت المحاسبة الوطنيّة أو المحاسبة الاقتصاديّة كما يدعوها البعض، إحدى أدوات السياسة الاقتصاديّة في عدد من البلدان المتطوّرة، ومن دونها لا يمكن الوصول إلى تكوين معلومات دقيقة وصحيحة لوضع خطة إنمائيّة علميّة سليمة. وبرغم عدم وجود هذا النوع من المحاسبة في لبنان جرت محاولات لاحتساب الناتج الوطني كانت أولاها في العام 1950 عندما قام الدكتور ألبرت بدر أستاذ الاقتصاد في الجامعة الأميركية وعضو مجلس التصميم باحتساب هذا الناتج في نطاق مؤسّسة الأبحاث الاقتصاديّة في الجامعة المذكورة. أما في السنوات التي تلت ذلك التاريخ فكان يتمّ الاحتساب بتعديل الأبواب التي تطرأ عليها تغيّرات معيّنة. في العام 1957 بلغ دخل الفرد 315 دولاراً في الشهر، ما جعل لبنان في مكانة متوسّطة بين الدول المتقدّمة ودول الشرق الأوسط وباقي بلدان العالم الثالث، ولكن الواقع كان مختلفاً لأنه كان هناك تفاوت كبير في نسب توزيع الناتج الوطني على مختلف الفئات اللبنانيّة كما سنرى بعد قليل.
شهد الناتج الوطني بين عامي 1950 و1957 تصاعداً بلغ 33 في المئة أي 4,4 في المئة في السنة، وإذا حسمنا من هذا الرقم الزيادة السنويّة للسكان البالغة 2 في المئة تكون الزيادة الحقيقيّة في هذا الناتج 2,4 في المئة وهو رقم مقبول ولكنّه غير كافٍ في بلد يتطلّع إلى مستقبل واعد. تبدّلت نسب مساهمة القطاعات المختلفة في هذا الناتج بين السنوات المذكورة، فزادت مساهمة قطاعات التجارة والخدمات السياحيّة والماليّة، أكثر مما زادت مساهمة قطاعات الإنتاج من زراعة وصناعة، وكانت هذه المساهمات في العام 1957 على الشكل التالي:
فيكون المجموع ملياراً وخمسمئة وتسعة وثلاثين مليون ليرة لبنانيّة. وهناك تقديرات رفعت هذا الناتج في العام نفسه إلى مليار وتسعمئة وثمانية وسبعين مليوناً، وتقديرات أخرى جعلته في العام 1959 بحدود مليارين وستمئة وثلاثين مليوناً، وهذه الفروقات ناجمة عن عدم وجود محاسبة اقتصاديّة كما قلنا في البداية، ومن هنا كانت محاولة توزيع هذا الناتج على مختلف فئات الشعب اللبنانيّ صعبة وعسيرة.
قامت «بعثة إيرفد» بدورها من خلال الفِرَق الميدانيّة التابعة لها والمنتشرة في الأرياف والمدن، بتحقيقات ميدانيّة من خلال استمارات أسئلة واستطلاعات أسفرت عن نتائج أكثر واقعيّة، أضيفت إليها» دراسة تشرشل» وتم تمثيلها برسوم بيانيّة لتسهيل مقارنتها بما هو موجود في بلدان أخرى، فتبيّن أنّ ما يصيب الفرد من هذا الناتج في الولايات المتحدة والدنمارك وإيطاليا، هو ضعف ما يصيب الفرد في لبنان، وما يصيب الفرد في لبنان هو ضعف ما يصيب الفرد في كولومبيا ومعظم دول أميركا اللاتينيّة وبلدان الشرق الأوسط.
إنّ عدداً لا يُستهان به من العائلات اللبنانيّة كان يتلقّى إعانات من أنسباء ميسورين مقيمين أو مغتربين. فالتضامن العائلي كان ولا يزال من أجمل العادات التي يمتاز بها اللبنانيّون، فكانت تحويلات المغتربين تبلغ في العام حوالى مئة مليون ليرة كان نصفها يصل إلى عائلات فقيرة والباقي يُستثمر في الحقل العقاري من خلال عمليّات مختلفة.

المياه
يتميّز لبنان بغزارة المتساقطات، سواء في المناطق الجبليّة في السلسلة الغربيّة أو في منطقة حرمون في الفترة الواقعة بين تشرين الثاني ونيسان من كلّ سنة، ما يجعل فترة الجفاف تمتدّ طوال الأشهر الباقية وهي فترة طويلة نسبياً. ويتميّز لبنان أيضاً باتّساع رقعة الأرض المتشقّقة في جباله المكوّنة من التربة الكلسيّة التي تسمح بتسرّب مياه الأمطار عبر الشقوق إلى باطن الأرض فتتكوّن خزانات مائيّة وبحيرات جوفيّة ضخمة طيلة أشهر المتساقطات وفترة ذوبان الثلوج في فصل الربيع.
يجب أن نفرّق بين استخدام المياه للشرب وتغذية المدن والقرى بها وبين استخدامها للريّ في الزراعة وتوليد الطاقة الكهربائيّة. وقد تحقق تقدّم في استخدام المياه في مجالَي الشرب وتوليد الطاقة فرضته عوامل إنسانيّة واقتصاديّة بمبادرات حكوميّة، ويجري إعداد مشاريع جديدة هي كافية في حال تنفيذها لتغطية حاجات البلاد الآنيّة ولكنها غير كافية لمواجهة الحاجات في المستقبل.
في ما يتعلق بالمياه كعامل أساسي في الإنتاج الزراعيّ، فقد جرى تركيز بعض المشروعات بمبادرات فرديّة لريّ بساتين الحمضيّات والتفّاح، وبدأت الحكومة بتنفيذ بعض المشاريع ولكنّها مشاريع جزئيّة لا تُعدّ جزءاً من مشروع عام في البلاد. والمشروع الوحيد الذي تمّ تنفيذ القناة الرئيسيّة فيه هو مشروع الليطاني، وقد أعطى نتائج ممتازة بعكس المشاريع الأخرى كمشروع جرّ مياه اليمّونة الذي لم يُعطِ أيّ نتائج على الإطلاق.

المعادن
برغم أنّ لبنان قد تعرّض خلال تكوينه لثورتين بركانيتين واحدة في العصر الجوراسي وأخرى في العصر الميوسيني، فهو لا يحتوي إلا على كميّات ضئيلة من المعادن، أبرزها البترول.
إنّ وجود القار والإسفلت في لبنان هو دليل على وجود البترول، وقد جرت حفريّات في منطقة تربل شرق طرابلس من قبل شركة «الآي بي سي» خلال عامي 1947 و 1948 وفي قرية يحمر في البقاع الغربي وفي القاع في البقاع الشمالي في العام 1952 من قبل شركة البترول اللبنانيّة، لم تسفر جميعها عن أيّ نتائج ايجابيّة. لكنّ الخبراء ينصحون بوجوب إجراء اختبارات جديدة في مناطق أخرى من دون أن يحدّدوا مواقع معيّنة فيها. هناك تراخيص تغطي كلّ لبنان أعطتها مصلحة المناجم لشركتين هما شركة «البترول اللبنانيّة» وشركة «بتروليكس»، وإن كنّا لم نحصل على نتائج إيجابيّة في الماضي، فإنّ الأمل كبير بوجود كميّات وافرة من البترول والغاز الطبيعي تنتظر من سيكتشفها (...).

المواصلات
تشتمل المواصلات على الطرقات والمرافئ والمطارات وسكك الحديد والاتّصالات وسنتحدث عن كلّ منها بالتفصيل كما يلي:

1. شبكة الطرق
تربو شبكة الطرق في لبنان على أربعة آلاف كيلومتر منها طريقان دوليّتان واحدة تمتدّ عبر الشاطئ من الحدود السوريّة شمالاً إلى حدود فلسطين جنوباً، وأخرى تمتد من بيروت إلى حدود سوريا شرقاً باتّجاه دمشق. وهناك طريقان فرعيتان واحدة تصل شتورا ببعلبك وثانية تصل البقاع الأوسط ببنت جبيل. وهناك طريق جبليّة تبدأ من بزبدين في المتن الشمالي مروراً بميروبا فأفقا فالعاقورة وصولاً إلى تنّورين، كما يوجد عدد من الطرقات التي تربط الجبال بالساحل لكنّ جميع هذه الطرق هي بحاجة إلى الصيانة والتأهيل. كان هناك مخطّط دوليّ لإنشاء طريق دوليّة تصل أوروبا بالجزيرة العربيّة والخليج العربي مروراً بتركيا. وكان مرور هذه الطريق عبر الشاطئ اللبنانيّ من الصعوبة بمكان بسبب وجود تجمّعات سكنيّة ساحليّة كبيرة، فقُدّم اقتراح بوجوب مرورها عبر البقاع تفادياً لكثافة السير وللضرر الذي يمكن أن تسبّبه للمدن اللبنانيّة ولكن ذلك المخطط لم يَرَ النور.
هناك حاجة ملحّة لإنشاء طرقات تصل الساحل بالبقاع مروراً بالمناطق الجبليّة لتخفيف الضغط عن طريق ظهر البيدر وتقصير المسافات بين المناطق اللبنانيّة، والطرقات الأكثر إلحاحاً هي طريق زحلة بكفيا انطلياس وطريق عيناتا الأرز، وطريق عيون السيمان وطريق الهرمل شربين حلبا طرابلس لربط البقاع الشمالي بعاصمة الشمال. برغم اتّساع هذه الشبكات من الطرقات، هناك قرى يراوح عددها بين ستمئة وسبعمئة قرية لا تزال غير موصولة بالشبكة العامّة، وهو أمر يتنافى مع العمل الإنمائي لتنشيط الأرياف اللبنانيّة.

2. سكك الحديد
ليس لسكك الحديد أهمّية في لبنان نظراً لصغر مساحته ولطبيعته الجبليّة، والخطان الموجودان حالياً هما في طور التلاشي. إذا أقدمت سوريا على إنشاء خط يربط اللاذقيّة بالأردن فالعقبة، كما يردّد البعض، يصبح هناك مبرّر لإعادة خطّ بيروت - الشام، وإذا تعذر إنشاء نفق لهذه الغاية، فإنه يمكن الاقتداء بما فعلته سويسرا إذ مدّت خطاً في جبال أكثر انحداراً من جبال لبنان.

3. المرافئ
إنّ مرفأ بيروت هو أحد العوامل الأساسيّة التي أدّت إلى تطوّر العاصمة وكانت بداية ازدهارها عندما حصلت شركة المرفأ على امتياز فيال عام 1888 فأصبح مرفأ بيروت المخرج الطبيعي لسوريا والعراق والأردن، خاصّة بعدما تقلّص دور مرفأ حيفا بسبب الأحداث التي حصلت في فلسطين، وكان المرفأ الوحيد الذي ينافس مرفأ بيروت. وقد ساعدت ميزة اللبنانيّين التجاريّة على تطويره (...) من خلال رؤية مستقبليّة، وبعدما بدأت سوريا بإنشاء مرفأ في طرطوس، والأردن بإنشاء مرفأ في العقبة، وربّما حذت دول أخرى حذوهما، فإنّ التفكير بتوسيع مرفأ بيروت لم يعد أمراً ملحّاً في الوقت الحاضر، وكذلك مرفأ طرابلس، فهما فقط بحاجة إلى التنظيم وإلى إصلاح الإدارة. إنّ ما هو ضروري وملحّ في الوقت الحاضر هو إنشاء أهراء للقمح ومنطقة حرّة واسعة لا تسهم فقط بازدياد عدد البواخر القادمة إلى لبنان بل بتدفق البضائع والعملات الأجنبيّة وإعادة التصدير، والتحوّلات الصناعيّة وتشغيل اليد العاملة، كما تساعد الصناعيّين على الحصول على موادّ أوّليّة وتحويلها إلى مصنوعات من دون دفع رسوم جمركيّة.
يعمل في المنطقة الحرّة حالياً نحو 1500 عامل وتشتمل على مصنع لتجفيف الفاكهة ومصنع للأدوية وآخر للعطور وعلى مشغل للفرو وتجهيز الملابس الداخليّة والخارجيّة. أمّا المرافئ الأخرى في لبنان فيمكن تنظيمها وتحسين وضعها الحالي من دون إقامة منشآت جديدة لتوسيعها. ربّما كان من المستحسن إنشاء مرافئ للصيد، فإذا لم تُستعمل لاستقبال سفن صيد حديثة تستقبل اليخوت الخاصّة، وهي رفاهية ستنتقل عدواها إلى لبنان في وقت قريب.

4. المطارات
افتُتح مطار بيروت الدولي في أوّل تموز من العام 1950 وقد شهد منذ ذلك التاريخ ازدهاراً مستمرّاً وحركة طيران كثيفة نظراً لموقعه الجغرافي المتميّز وللأوضاع السياسيّة المستقرّة السائدة آنذاك في المنطقة (...) في العام 1959 بلغ عدد القادمين إلى لبنان 229.461 راكباً، وعدد المغادرين 231.791 كما بلغ عدد ركاب الترانزيت 146.076. أمّا حجم البضائع المستوردة فقد بلغ 5.293 طناً والمصدرة 14.528 طناً أيضاً. وهذه الأرقام تفسّر أهمّية المركز الذي يحتله مطار بيروت في حركة المسافرين بين الشرق والغرب. لا حاجة لإنشاء مطارات أخرى في لبنان سواء للنقل الخارجي أو الداخلي، نظراً لقصر المسافات ولأهمّية شبكة الطرق الموجودة، وما يجب أن يحصل في هذا المجال هو وضع برنامج طويل الأمد لتأهيل المطار بصورة مستديمة وتقوية مدارجه وتطويرها ليتمكن في كلّ الحالات من استقبال الطائرات الحديثة المتطوّرة.

5. الاتّصالات
كانت الاتّصالات في زمن «بعثة إيرفد» في بداياتها، فمعظم القرى لم يكن فيها هاتف عمومي وهو أمر جعل الحكومة تضع برنامجاً لتعميم الهاتف الآليّ وبدأ تنفيذه.

الطاقة
إنّ لإنتاج الطاقة تأثيراً كبيراً على كلّ نواحي الحياة العصريّة وخاصّة على الإنتاج الصناعي، الركيزة الأساس في الاقتصاد الوطنيّ. فالصناعة مرتبطة بالطاقة ارتباطاً وثيقاً وقد عرفت كلتاهما نمواً حديثاً في لبنان. انتقل إنتاج الطاقة من أربعين مليون كيلووات فيال عام 1939 إلى ثمانية وخمسين مليوناً في العام 1945 وإلى مئة وستة عشر مليوناً في العام 1950 وإلى أكثر من أربعمئة مليون في العام 1961.
في البدء لم تكن هناك محطات حراريّة لتوليد الكهرباء، بل محطات صغيرة على المياه منتشرة من نهر البارد إلى قاديشا ونهر إبراهيم ونهر الكلب والدامور والعاصي، ومجموعها ثلاث عشرة محطة، وكان من المنتظر أن يكون الليطاني هو المشروع الأهمّ في توليد الطاقة لكنّ فكرة تحويله للريّ طغت على الفكرة الأولى وأصبح لبنان يعتمد بالدرجة الأولى على المحطات الحراريّة كمعملَي الذوق والجيّة.
لا ضير من توليد الكهرباء من خلال المعامل الحراريّة ما دام هناك خطّان للنفط يصبّان في لبنان، هما الآي بي سي في طرابلس والتابلاين في الزهراني. ولكنّ التوليد بواسطة المياه أسلم للبيئة وأضمن لاستقرار الكلفة.
إنّ وجود الكهرباء في بيروت وطرابلس دون المناطق اللبنانيّة الأخرى يفسّر تجمّع الصناعات في هاتين المدينتين لترابط الطاقة والصناعة كما قلنا في البداية.

التعليم
كان لبنان في الستينيّات يحظى بمكانة مرموقة في المستوى التعليمي مقارنة ببلدان الشرق الأوسط وبعض دول أوروبا نفسها. عقد وزراء التربية العرب، الأعضاء في منظمة الأونيسكو، مؤتمراً في بيروت العام 1960 جرت فيه مقارنة بين الأوضاع التعليميّة في بلدانهم فأتى لبنان في الطليعة بفارق الضعف عن سوريا التي حلت ثانية، وجاءت بعدها مصر فالعراق فالأردن. ثمّ جرى تصحيح المعلومات التي اعتمدها المؤتمر من قبل وزارة التربية اللبنانيّة فزاد الفرق لمصلحة لبنان، خاصّة
في ما يتعلق بالتعليم الابتدائي. يجري التعليم في لبنان في المرحلتين الابتدائيّة والتكميليّة في مدارس خاصّة وحكوميّة، وتتعادل المدارس في القطاعين بعددها وعدد المعلمين فيها، ولكنّ عدد التلاميذ في القطاع الخاصّ أكبر منه في المدارس الرسميّة.
كانت بعثة إيرفد تشدّد على أهمّية التعليم المهني والتقني لحاجة لبنان إليه للانتقال إلى مراحل متطوّرة من التصنيع الذي كان لا يزال في بداياته.

الصحّة
يتبيّن من المقارنة بين خريطة توزيع السكان وخريطة توزيع الأجهزة والتجهيزات الصحّية أنّ هناك نواقص كثيرة تشمل جميع المناطق اللبنانيّة ما عدا بيروت الكبرى وطرابلس وصيدا وزحلة. فقواعد الأقضية والبلدات الكبيرة الاستقطابيّة كانت خالية من أيّ تجهيزات ومن أيّ أجهزة أيضاً وكان سكان الأرياف محرومين من أيّ رعاية صحيّة بسبب بعد المسافات وضآلة المداخيل.
بالإضافة إلى هذه النواقص في التجهيزات كان هناك نقص في الثقافة الصحّية، خاصّة على مستوى العائلة بسبب عدم تعليم المرأة في بعض المناطق وبسبب عدم تدريس مادّة التدبير المنزلي في المدارس وعدم وجود برامج إرشاد تقوم به ممرّضات أو مساعدات اجتماعيّات في نطاق المستوصفات حيثما وجدت. ومن المأمول أن يتم سد النقص في هذه المناطق في المستقبل من خلال عمل الفرق المتعددة النشاطات التي مرّ ذكرها. كان عدد المستشفيات في أواخر الخمسينيّات مئة وأحد عشر مستشفى بين كبير وصغير، ستة منها فقط حكوميّة والباقي مستشفيات خاصّة تحتوي أربعة وعشرون منها على أسرّة مموّلة من وزارة الصحّة.
كان توزيع المستشفيات على الشكل الآتي:

أ. أربعة وسبعون مستشفى في بيروت الكبرى وجبل لبنان
ب. خمسة وعشرون في طرابلس والشمال
ج. ثمانية في الجنوب
د. أربعة في البقاع
وكان عدد المستوصفات مئة وواحداً وثلاثين، لم يكن في الجنوب منها إلا أربعة فقط.
وكان عدد القابلات القانونيّات 356 قابلة وعدد الممرضات 608 وأطبّاء الأسنان 451 والصيادلة 386. وهذه المعلومات مصدرها وزارة الصحّة في العام 1960.
إن كان عدد الأطبّاء كافياً أي كان لكلّ ألف ومئة وخمسة وعشرين مواطناً طبيب واحد، فإنّ عدد الممرضات والقابلات القانونيّات لم يكن كافياً. كذلك عدد أطبّاء الأسنان والصيادلة، خاصّة في المناطق البعيدة المحرومة. كان من الضروري أن يصدر تشريع يلزم المتخرّجين الجدد من الأطبّاء بمزاولة العمل في الأرياف في سنوات خدمتهم الأولى قبل استقرارهم النهائي في المدن، على أن تُقدّم إليهم إغراءات معيّنة تجعلهم يقبلون على العمل في القرى برغبة واندفاع.

الزراعة
لا يشكّل الإنتاج الزراعي في لبنان سوى سدس الناتج الوطني، مع أنّ نصف السكان يعيشون من هذا القطاع بطريقة مباشرة أو غير مباشرة(...). إنّ الشعب اللبنانيّ يعاني حاضراً، وسيعاني مستقبلاً، من صعوبات اجتماعيّة كبيرة إذا لم تتدخل الدولة لقلب المقاييس وإزالة الجمود في هذا القطاع وتنظيمه بطريقة علميّة وعقلانيّة من خلال عمليّات لها طابع الديمومة. يتعامل الناس مع القطاع الزراعي بالطرق والوسائل ذاتها التي يتعاملون بها مع قطاعي الصناعة والتجارة، ويعتبرون أنّ المشكلات الزراعيّة هي مشكلات اقتصاديّة وتقنيّة فقط، ويجهلون أنّ الزراعة ليست قطاعاً تقنياً وحسب، فهي تخضع لعوامل طبيعيّة وبيولوجيّة لا يمكن إغفالها، فالمزارع لا يمكنه في حالات كثيرة أن يعاند الطبيعة التي تدمّر بعض ما يكون قد بناه، لذلك لا يمكن اعتبارها قطاعاً اقتصادياً عادياً. فللاستثمار في الزراعة تقاليد وعادات اجتماعيّة لا يقلّ دورها عن دور الأرض الصالحة ودور الأدوات المستخدمة على اختلاف أنواعها. والمجتمع الريفي خاضع لنواميس اجتماعيّة معيّنة ولعقليّة خاصّة. فهو لا يتقبّل بسهولة أيّ تدخل مباشر من غير إرادته ويخطئ من يتجاهل هذا الأمر أو يقلل من أهمّيته (...).

الصناعة
الصناعة في لبنان حديثة العهد، بدأت بعد نهاية الحرب العالميّة الثانية. في بداية القرن العشرين كان النشاط الصناعي يقتصر على الحرف كغزل خيوط الحرير والصوف والحياكة اليدويّة والتطريز والمطاحن ومعامل الصابون، وصهر الحديد لصناعة أدوات الزراعة على اختلاف أنواعها.
(...) وبرغم هذا التوسّع، بقي إسهام الصناعة في الناتج الوطني ضئيلاً. لم تكن في لبنان موادّ أوّليّة من إنتاج المناجم وغيرها باستثناء التربة لصناعة الإسمنت ومقالع الحجارة والرمل الصالح لصناعة الزجاجيات، وكان قد تم تصدير كامل إنتاج الحديد قبل أن تنطلق الصناعة، حتى إنّ الموادّ الأوّليّة الزراعيّة المستخدمة في الصناعات الغذائيّة كانت عالية الكلفة بسبب ارتفاع اليد العاملة الزراعيّة، وكانت الآلات المستوردة وقطع الغيار غير معفاة من الرسوم الجمركيّة. برغم عدم وجود موادّ أوّليّة لا بديل من الصناعة فهي المجال الأرحب لاستيعاب اليد العاملة اللبنانيّة المتزايدة سنوياً. وهي العنصر الأكثر ثباتاً بعد الزراعة في الناتج الوطني وعلى الدولة أن ترعاها بعناية كبيرة فتعفيها من الضرائب والرسوم وتخفض أسعار الطاقة وتحميها من المضاربة الأجنبيّة وتفتح لها أسواق التصدير.

السياحة والاصطياف
لبنان بلد سياحي من الدرجة الأولى، نظراً لما حباه الله من مباهج الطبيعة ولطف المناخ وعبق التاريخ والحضارة. وتتّخذ السياحة في لبنان أشكالاً ثلاثة:
1. السياحة الدوليّة، والسائحون من هذه الفئة هم من جنسيات مختلفة من أوروبيّين وعرب وغيرهم، يأتون إلى لبنان لفترة قصيرة يتمتعون بالمناظر الطبيعيّة ويزورون المعالم الأثريّة ثم يرحلون.
2. الاصطياف، ومعظم المصطافين هم من رعايا الدول العربيّة، يقضون في لبنان فترة تراوح بين شهرين وأربعة أشهر، قسم منهم يفتّش عن حياة اللهو، يمضي أوقاته في أماكن التسلية والعلب الليليّة وسهرات الطرب، وقسم آخر يتشكّل من العائلات التي تنشد الراحة والهدوء والمناخ المنعش.
3. الرياضة الشتويّة وروّاد هذه الفئة هم من الغربيّين هواة رياضة التزلج. يقضون في الربوع اللبنانيّة بضعة أيّام يتمتّعون خلالها بدفء حرارة الشمس والهواء المنعش، يمارسون هوايتهم في مراكز التزلج ثم يغادرون.
يُعتبر سائحاً كلّ من يدخل الأراضي اللبنانيّة بقصد الزيارة باستثناء السوريّين الذين يدخلون ويخرجون يومياً بأعداد كبيرة. كان عدد السائحين يزداد سنوياً، خاصّة من رعايا الدول العربيّة، فقد بلغ في العام 1951 العدد نحو 39.412 ليصل في العام 1960 إلى 296.412، عدد عابري الترانزيت يزداد أيضاً فانتقل من 82.000 العام 1952 إلى 259.000 العام 1959، لكن عدد السوريّين تقلص من 668.000 في العام 1956 إلى 177.000 في العام 1961.
إنّ سبب ازدياد السائحين العرب هو اكتشاف النفط وما صحبه من تحسّن أحوال السكّان، وتوفير قوّة شرائيّة كبيرة لديهم فسمح لهم الوضع الجديد بالهروب من الحرّ والتفتيش عن الرفاهيّة والانتعاش والراحة والهدوء. كان من الصعب تقدير المبالغ التي ينفقها السائحون في لبنان، فاعتُمدت التقديرات التي وضعتها المفوضيّة العامّة للسياحة والتي اعتمدتها مؤسّسة الأبحاث الاقتصاديّة في الجامعة الأميركيّة في تركيب الناتج الوطني في العام 1951 والتي تضاعفت في أواخر الخمسينيّات. لا تكمن أهمّية السياحة فقط بما تشكله من دعامة للناتج الوطني، بل بما تخلقه من مجالات عمل للشباب اللبنانيّ في الفنادق والمطاعم وأماكن التسلية ولسائقي السيّارات وغيرهم. كان يجري الاهتمام بالمصطافين أكثر من السيّاح لمكوثهم في لبنان فترات طويلة وإنفاقهم السخيّ، خاصّة أنّ أعداد السيّاح في ذلك الوقت كانت قليلة لكنّ الوضع بدأ يتغيّر. فالأوروبيّون من فرنسيّين وبلجيكيّين وألمان وإنكليز وغيرهم بدأوا منذ سنوات قليلة بتنظيم رحلات سياحيّة جماعيّة بأعداد كبيرة افتتحوها بزيارة إيطاليا وإسبانيا ويوغسلافيا واليونان، وبدأت طلائعهم بالوصول إلى مصر وسوريا ولبنان، ومن المنتظر أن تصل أعداد هؤلاء السيّاح إلى مئات الآلاف لكن المشكلة هي أن لبنان غير مؤهّل لاستقبال هذا النوع من السيّاح المحدودي الدخل الذين يفضّلون الإقامة في فنادق متوسّطة لكن لائقة وفي شقق مفروشة، وهي أمور غير متوافرة حالياً في لبنان ولا بدّ من اتخاذ التدابير الآتية بهذا الصدد:
1. إكمال شبكة الطرق إلى جميع مصايف الجبل.
2. تنظيف شوارع الأحياء السياحيّة في المدن.
3. إنشاء نوادٍ رياضيّة ومكتبات ومسارح في مراكز الأصطياف.
4. بناء فنادق حديثة متوسّطة إلى جانب الفنادق الفخمة وتحسين أوضاع المطاعم وزيادة عدد البيوت المعدّة للإيجار.
5. خفض الأسعار لجذب السيّاح من الطبقة المتوسّطة الحال.
6. إنشاء مكاتب للدعاية السياحيّة في أفريقيا وأوروبا والأميركيّتين.
7. إصدار مجلة سياحيّة بعدّة لغات.
8. إقامة علاقات جيدة مع وكالات السفر وتسهيل الرحلات التي تنظمها.
9. خفض التكاليف للسيّاح والمغتربين اللبنانيّين الذين يرغبون في زيارة الوطن.

التجارة الخارجيّة
يعود ازدهار لبنان إلى امتهان اللبنانيّين التجارة وإتقانها منذ زمن بعيد، سواء في ما يتعلق بالتصدير والاستيراد من لبنان وإليه أو بالتجارة الثلاثيّة كوسطاء بين الدول الغربيّة ودول الشرق الأوسط. وهذه التجارة أمّنت للبنان بالإضافة إلى الترانزيت والسياحة وحركة الرساميل، فائضاً في ميزان المدفوعات بلغ ملايين الليرات برغم العجز الكبير الدائم في ميزانه التجاري. كانت التجارة متنوّعة ومتعدّدة لدرجة أنه لم يكن أيّ عنصر يشكل وحده أكثر من عشرة بالمئة من قيمة الصادرات باستثناء التفاح الذي شكل في العام 1959 أحد عشر في المئة منها. ازدادت الواردات في الخمسينيات وما بعدها بنسبة تصاعديّة بينما بقيت الصادرات تزحف ببطء كبير، ما سبّب عجزاً دائماً في الميزان
التجاري لا مثيل له في أيّ بلد آخر. في العام 1949 لم تكن الواردات تزيد عن الصادرات إلا أربعة عشر في المئة، لكنّ الوضع بدأ يتبدّل منذ العام 1950 فبدأت الواردات تتصاعد، خاصّة من البضائع الأوروبيّة لتلبية أذواق الطبقة الغنيّة، التي أصبح لديها قوّة شرائيّة كبيرة، والمصطافين والسائحين الذين بدأوا يتوافدون إلى لبنان بأعداد كبيرة، خاصّة أنّ ازدياد الطلب لم تقابله زيادة في الإنتاج اللبنانيّ. في أواخر الخمسينيّات أصبح العجز في الميزان التجاري سبعين في المئة.
إنّ الازدياد المطّرد للواردات والصادرات هو دليل على الازدهار اللبنانيّ، غير أنّه كان لا بدّ من اتّخاذ بعض الإجراءات للتعديل في بنية التجارة الخارجيّة للأسباب الآتية:
1. إنّ العجز الكبير والمستمرّ في الميزان التجاري يجعل لبنان في موقف متأرجح معرّض لعمليّات واهية.
2. إنّ تقلبات الأوضاع الاقتصاديّة والسياسيّة والمتغيّرات التي تطرأ على بلدان الشرق الأوسط التي يتعامل معها لبنان، تحتّم اليقظة الدائمة وتوخّي الحذر، كما تستدعي مراقبة دائمة لأوضاع العملاء من مصدّرين ومستوردين على حدّ سواء.
3. من المفروض أن تجري دراسات حول الخيارت الزراعيّة والصناعيّة وأن يتطلع لبنان إلى أسواق أوسع من أسواق الدول العربيّة.
4. يجب إيلاء زراعة الفاكهة وتكثيفها وتنوّعها عناية خاصّة، كما يجب الترويج لها. فهي أكثر الزراعات غزارة في الإنتاج، والطلب عليها يفوق الطلب على الزراعات الأخرى.
5. يجب أن تكون السياسة الجمركيّة متلازمة مع مستلزمات التنمية.
6. يجب عزل تجارة الذهب عن لائحة الواردات والصادرات لما للتهريب من دور في هذه التجارة.
7. يجب أن تكون الإحصاءات أكثر دقة، وبالتالي يجب تزويد مصلحة الإحصاء في الجمارك بكفاءات إنسانيّة وبآلات حسابيّة وإحصائيّة حديثة.
8. يحب اتّخاذ إجراءات رقابيّة مشددة على الأعمال الجمركيّة فلا يكفي أن يكون لرصيف بكامله مراقب جمركي واحد.
المصارف والخدمات الماليّة
إنّ بيروت مركز مهمّ للمصارف، هو الأوّل في الشرق الأوسط لكنّ النهضة المصرفيّة هي حديثة العهد بدأت بعد الحرب العالميّة الثانية. في العام 1954 لم يكن في لبنان برغم تقاليده الماليّة إلا سبعة مصارف كبيرة، ازداد عددها ثلاث مرات عندما ألغيت مراقبة القطع، وقويت الليرة اللبنانيّة، وكانت هذه المصارف تتغذّى من الرساميل المتوافرة في بعض البلدان العربيّة التي بدأ فيها إنتاج النفط.
في أواخر العام 1960 أصبح عدد المصارف القانونيّة أربعين مصرفاً، وكان رأسمال المصرف منها لا يقلّ عن مليون ليرة لبنانيّة. كان إلى جانب هذه المصارف مؤسّسات شبه
مصرفيّة تعمل من دون حيازة رخص قانونيّة وكانت منتشرة في مناطق لبنانيّة عدّة. كانت معظم المصارف مركّزة في بيروت وقلة منها في طرابلس وزحلة من دون باقي المناطق. إنّ سبعة عشر مصرفاً من أصل الأربعين المرخصة كانت فروعاً لمصارف أجنبيّة، ستة منها عربيّة وأربعة فرنسيّة وثلاثة أميركيّة ومصرفان بريطانيّان ومصرف هولندي. كانت رساميل ثلاثة من المصارف الأخرى مختلطة لبنانيّة وأجنبيّة، والمصارف الباقية كانت كلها برساميل لبنانيّة. كانت جميع هذه المصارف تقوم بعمليّات تجاريّة وصفقات ماليّة قصيرة المدى سريعة الربح. باستثناء مصرفين فقط هما «بنك التسليف الزراعي والصناعي والعقاري» و «بنك سوريا ولبنان» الذي كان مصرفاً تجارياً وبنكاً للإصدار في الوقت ذاته.
كان هذان المصرفان يقرضان المال لفترة محدودة يُعاد تجديدها في معظم الأحيان لأنّ الودائع لديهما كانت لآجال محدودة، وكانت الفائدة لا تتعدّى ثلاثة بالمئة في العام 1947 وستة بالمئة في العام 1954 و1959، وبالمختصر فإنّ السوق الماليّة لم تكن موجودة بالمعنى الصحيح للكلمة. كانت الأمور تجري وفقاً للأعراف التجاريّة، وكانت الســرّية المــصرفيّة جداراً غير قابل للاختراق(...)

أضف تعليقك





الرئيسية
من نحن
استشارات
مواقع صديقة
فئات خاصة
أراء ,مقالات و تحقيقات
دراسات ومؤتمرات
القطاع التعليمي، التربوي، الصحة و الدواء
النظام الداخلي للمركز



يوجد حاليا

زائر حالياً  
© جميع الحقوق محفوظة جمعية المركز اللبناني للتدريب النقابي

إن الآراء الواردة في الموقع تمثل أصحابها وليس بالضرورة رأي الجمعية
تصميم و برمجة