متضرّرو 4 آب: فجّرتهم الدولة.. ثمّ أهانتهم - جريدة المدن - علي نور

 

 - Aug 04, 2021



 لم تقتصر المعاناة الجسديّة والنفسيّة والماديّة التي واجهها متضررو انفجار المرفأ على تداعيات الانفجار نفسه. بل استمرّت حتّى اليوم، نتيجة الإجحاف والغبن الذي عانى منه المتضررون في كل ما يتعلّق بملفات التعويض عليهم من قبل الدولة. هذا الظلم شمل ذوي الضحايا تماماً كما طال الجرحى والمتضررين ماديّاً، في مأساة لا يجمع أصحابها إلا العشوائيّة التي تحكم جميع القرارات الرسميّة والقوانين التي يتم إقرارها، بما فيها تلك التي تتصل بملف حسّاس كهذا. علماً أن التعويض العادل لهذه الفئات كان يفترض أن يكون مسألة بديهيّة منذ البداية، لكون الضرر لم يكن من الممكن أن يحدث لولا تفشّي الإهمال الوظيفي والفساد في المرفأ، بمعزل عن مصدر الشحنة المتفجرّة وكيفيّة اندلاع الحريق أو سبب الانفجار.


القانون المهين للجرحى
بعد أشهر من الانفجار، وقّع رئيس الجمهوريّة قانون التعويضات الشهير الذي أعطى الجرحى من أصحاب الإعاقات المزمنة حق الاستفادة من تقديمات الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي. لكنّ هذا القانون، حصر حق الاستفادة من الصندوق بالتقديمات الصحيّة فقط، من دون أن يتيح لهؤلاء الجرحى الاستفادة من سائر التقديمات العائليّة والتعليميّة. وبذلك، أصبح القانون هنا لزوم ما لا يلزم وفقاً لتقرير أعدته المفكرة القانونيّة، لكون أصحاب الاحتياجات الإضافيّة يستفيدون أصلاً من تقديمات الصندوق الصحيّة بمعزل عن القانون الذي منن به مجلس النواب الجرحى.

في الواقع، تكمن الثغرة الأخرى هنا في أن القانون المجحف لم يراعِ الضرر الذي لحق بالكثير من الجرحى، الذين فقدوا القدرة على العمل بشكل مستقر وطبيعي، ما أثّر على الاستقرار المعيشي لأسرهم. وهنا، كان من المفترض أن تقوم الدولة بدراسة ظروف هذه العائلات وحجم الضرر الذي لحق بالمعيلين فيها، لتحديد حجم التعويضات الماديّة والتغطية الصحيّة الممنوحة لأسر كلّ منهم، لكن ذلك لم يجرِ. مع العلم أن بعض هؤلاء الجرحى فقدوا القدرة على القيام بالأعمال نفسها التي كانوا يزاولونها قبل الانفجار، كحال من أصيب بشلل كلّي أو فقدان للبصر، فيما لم تغطّي الدولة الكثير من العمليات العلاجيّة التي احتاجوها طوال السنة الماضية كبعض العمليات التجميليّة الضروريّة التي حتّمت إجراءها الجروح الناتجة عن الانفجار.

تعويضات الأضرار الماديّة الهزيلة
بالنسبة إلى التعويضات المتعلّقة بالأضرار الماديّة، اقتصر التزام الدولة اللبنانيّة على فتح اعتماد بقيمة هزيلة لم تتجاوز حدود 1,500 مليار ليرة، وهي قيمة معدومة الأثر نسبة لحجم الخسائر، خصوصاً إذا أخذنا بالاعتبار حجم التدهور الحاصل في سعر صرف الليرة اللبنانيّة. وعلى أي حال، اكتفت الدولة بتكليف الجيش توزيع 10% فقط من هذه المساعدات وفقاً لقاعدة الحاجات الأكثر إلحاحاً، أي تلك التي تتصل بإصلاح الشبابيك والأبواب للأبنية السليمة من الناحية الهندسية، ما استثنى الغالبيّة الساحقة من الأضرار الأخرى التي تتصل بموجودات المنازل والآليات وغيرها.

وعلى أي حال، تكمن النقطة الأكثر خطورة هنا في عدم وجود أي رؤية لكيفيّة التعامل مع هذه الأضرار في المستقبل، إذ لم يُعلن حتّى اللحظة عن أي خطة لتشكيل صندوق وطني لجمع المساعدات والتعويض على المتضررين. مع الإشارة إلى أن الدولة كانت قادرة على وضع آليات حوكمة خاصّة ومستقلّة لهذا الصندوق، بما يضمن للمانحين الأجانب عدم هدر الأموال لاحقاً، أو استعمالها لغايات الزبائنيّة السياسيّة، من خلال التنسيق مع الجمعيات التي تعمل حاليّاً في هذا المجال والمجتمع الدولي، لإدارة الصندوق ومراقبة نفقاته.

تجميد البيوعات.. لأسباب طائفيّة
حرصت الدولة على إقرار قانون يمنع البيوعات العقاريّة في بعض المناطق المتضررة من الانفجار، حيث تم حصر مفاعيل هذا المنع في مناطق الرميل والمدوّر والمرفأ والصيفي. إلا أن القانون نفسه لم يحدد أي آليات أو خطوات تسرّع من عمليّة الإعمار وعودة الأسر المهجّرة، أو تحفّز عمليّة النهوض الاقتصادي والإسكاني في المناطق المدمّرة. باختصار، لم تُرد الأطراف التي حرصت على إقرار القانون إلا على المزايدة للظهور بصورة الذي يريد حماية التوازنات الديمغرافيّة المذهبيّة، من دون أن تحرص فعلاً على استعادة النسيج الاجتماعي للمناطق المنكوبة.

ولعل الطابع المذهبي لهذا القانون يظهر جلياً في استثناء مناطق الباشورة ووسط المدينة من هذه التدابير، كما واستثنائه شركات التطوير العقاريّة. أما لجنة التنسيق التي كان يفترض أن تتشكّل من عدة وزارات للبحث في موضوع التعويضات، وللتأكّد من ملاءمتها لحاجات هذه المناطق، فذهبت أدراج الرياح ولم يتم تشكيلها فعلاً، ما غيّب أي سياسة منظمة أو خطة مدروسة لعمليّة التعويض. مع العلم أن الحجج التي تم اعتمادها للتغاضي عن تشكيل هذه اللجنة كانت دخول الحكومة في حقبة تصريف الأعمال، في حين أن عمليّة إعادة الإعمار كان يفترض أن تكون من المسارات الملحّة التي لا ينبغي تجميدها حتّى في ظل حكومة تصريف الأعمال.

عائلات الضحايا
أهم التعويضات التي تم منحها لأهالي الضحايا كان اعتبار الضحايا بمثابة شهداء الجيش اللبناني، من ناحية استفادة عوائلهم من راتب شهري لا تتجاوز قيمته 62 دولاراً أميركياً. لكنّ هذه الرواتب الضئيلة لم تتجاوز في معظم الحالات نصف الرواتب التي كان يتقاضاها المتوفّون من أرباب الأسر، ما وضع كثير من هذه العائلات أمام أزمة معيشيّة خانقة في ظل الأزمة الاقتصاديّة. مع العلم أن الدولة منحت هذه العائلات أيضاً مبلغاً مالياً مقطوعاً محدود القيمة يتراوح ما بين 15 و30 مليون ليرة، حسب عمر الضحيّة، لكن هذه التعويضات لم تتم مواءمتها مع حجم الأسر وحاجاتها، أو مع درجة اعتماد هذه الأسر ماليّاً على الضحيّة قبل الانفجار، ما يعكس عبثيّة غير مفهومة في هذه الإجراءات.

الإشكاليّة الأخرى بالنسبة إلى أهالي الضحايا، تكمن في عدم وجود أطر تنسيق رسميّة منظّمة وواضحة للتواصل معهم، وخصوصاً في ما يتعلّق بطريقة تقديم هذه المساعدات أو الإجراءات المتبعة، أو حتى في ما يخص قرارات المسؤولين المتصلة بالتحقيق، كالردود على طلبات رفع الحصانات الوظيفيّة والنيابيّة. مع الإشارة إلى أن الخرق الوحيد الذي تم تسجيله على المستوى كان من قبل القاضي بيطار، الذي فتح قنوات تواصل مع عائلات الضحايا لإطلاعهم على خطواته بما لا يتضارب مع متطلبات سريّة التحقيق.

باختصار، كل ما جرى منذ سنة لم يعكس فقط عشوائيّة القرارات الرسميّة والقوانين التي تم اقرارها للتعامل مع تداعيات الانفجار، بل عكس كذلك إهمالاً فادحاً لقضيّة إعادة الاعتبار لجميع متضرري انفجار المرفأ. في المقابل، كان بإمكان الدولة أن تستفيد من عدد لا يحصى من تجارب التعامل مع النكبات الكبرى، التي يتم في محصلتها التعويض على المتضررين وفقاً لآليات عادلة وشفافة، تحدد حجم الضرر الذي لحق بكلّ منهم، وحجم التعويض المطلوب للتعامل مع هذه الأضرار. أما نتيجة هذا الإهمال، فلم تكن سوى مضاعفة آلام المتضررين ومعاناتهم، وخصوصاً حين تتوازى الآثار الماديّة والنفسيّة القاسية، وفقدان معيلي الأسر، مع حالة الانهيار الاقتصادي الشامل، التي وضعت نصف المقيمين تحت خط الفقر.

أضف تعليقك





الرئيسية
من نحن
استشارات
مواقع صديقة
فئات خاصة
أراء ,مقالات و تحقيقات
دراسات ومؤتمرات
القطاع التعليمي، التربوي، الصحة و الدواء
النظام الداخلي للمركز



يوجد حاليا

زائر حالياً  
© جميع الحقوق محفوظة جمعية المركز اللبناني للتدريب النقابي

إن الآراء الواردة في الموقع تمثل أصحابها وليس بالضرورة رأي الجمعية
تصميم و برمجة