سحابةٌ سوداء فوق بلاد الرافدين - جريدة المدن - عصام الجردي

 

 - Sep 14, 2018



 هل يعبر العراق سالماً بعد التطورات الخطيرة التي نجمت عن تظاهرات البصرة وحرق القنصلية الايرانية؟ هو ليس سالماً قطعاً الآن، لكن ما حدث في البصرة يثير المخاوف على مستقبل العراق ووحدته وهويته العربية. لم يعد الخلاف على مجرد تركيب لائحة أكثرية ائتلافية موصوفة تتولى رئاسة الحكومة. الانتخابات النيابية الأخيرة أعطت تحالف "سائرون" بقيادة مقتدى الصدر أرجحية نيابية. والصدر المنسل من عائلة شيعية عريقة كان رأس الحربة في معارضة الغزو الاميركي العراق في 2003. قاومه بالسلاح وأسس "جيش المهدي". ايران لم تقاومه وأيدته ضمناً إذا كان "الشيطان الأكبر" كفيلاً بالقضاء على الديكتاتور صدام حسين. وقوف الصدر في وجه المدّ الايراني أضفى على موقفه صدقية ومبدئية. لم يستخدم خلفيته الدينية والمذهبية الواضحة في خطابه الوطني الوحدوي والسيادي.

خصم الصدر المباشر الموالي لايران الى حد التماهي رئيس الحكومة السابق ورئيس حزب الدعوة نور الدين المالكي، ينظر اليه العراقيون واحداً من أفسد الذين تولوا مسؤوليات في العراق. مئات المليارات طارت من الخزانة العراقية إبّان حكمه. طهران تعلم ذلك حق العلم. وتصر على تجميل ما لا يجمّل فيه لاستعادة السلطة. شأنها في ذلك شأن تعاملها مع النظام السوري وبطانته. ليس المهم ما يحصل في داخل العراق وسوريا ومن يتولى السلطة فيهما. الأهم بناء جسر للمشروع السياسي الايراني في المنطقة من طهران الى بيروت. هكذا يردد كبار المسؤولين الايرانيين بانفسهم. العراق رأس الجسر في المشروع. قفله يعني نهاية الحلم العبثي الذي بدا طوال السنوات الأخيرة قريباً من أن يصبح واقعاً. إنما ليس حقيقة مهما تغيرت الوقائع على الأرض. أحياناً، يردد المسؤولون الايرانيون على سبيل الحيطة والحذر، أن قرارات الدول الثلاث العراق وسوريا ولبنان باتت في طهران. ولئن كان الأمر مفهوماً في مقاربة القوة العسكرية لهذا الادعاء، بيد أن بغداد تبقى الفيصل في الحلم الايراني. ما يجعل طهران غير مستعدة لتقديم تنازلات لبغداد، لأن حلقة الوصل السورية ليست طوع اليد بعد. فالصورايخ المجنّحة الروسية، وقاعدتا حميميم وطرطوس لن تبرح المكان بسهولة. وبوتين يقبض على السلطة وأمن بشار الأسد. والنظام لا يقرر لسوريا ومستقبلها. لم يحن بعد وقت تقاسم تركة النظام. وفي كل الأحوال، تنظر طهران الى العراق ورقة لا يمكن التفريط بها حتى أوان القسمة في سوريا. الورقة متعددة الاستعمالات للمشروع الايراني ولمواجهة الولايات المتحدة أيضاً. في تشرين الثاني 2018 ستبدأ مفاعيل العقوبات الاميركية على طهران في نسختها الجديدة الأقسى. النفط والغاز. ودونالد ترمب يتوعد من يخرق العقوبات بمواجة قاسية. لم يردعه الحمق من تنفيذ تهديداته ضد حلفائه الأقرب في كندا والمكسيك. وفي حلف الناتو. ويجهد النظام الايراني كي تكون بغداد مرة جديدة رئة يتنفس منها للحد من آلامه الاقتصادية والتجارية.

العراق الآن بات رئة مثقوبة تحت مطرقة العُنت الايراني وهُزال مؤسسة الحكم. بلد النفط والمياه الراسخ في عمق التاريخ الانساني والثقافي بشبه فرادة بين الدول العربية، نحو 22% من سكانه تحت خط الفقر المحدد المدقع بواقع 3.2 دولارات اميركية يومياً. بحسب تقرير المصرف الدولي. ترتفع النسبة عند خط الفقر المطلق. ( 5.5 دولارات اميركية يومياً ) البطالة بين الشباب نحو 25%. والعراق يحتاج الى اعادة اعمار في المدن التي سيطر عليها "داعش" لاسيما الموصل. والعاصمة والقصبات الكبيرة لم تعد تفي حاجات السكان المعيشية ومتطلبات اعادة بناء هيكل الاقتصاد في دولة تعتّد بحضارتها ومستواها العلمي. حاجات الاعمار وفق أكثر من وكالة دولية بنحو 90 مليار دولار اميركي. في حقبة رئيس الوزراء حيدر العبادي حققت بغداد تقدماً على مستوى خفض عجز الموازنة وخفض الدين العام البالغ 123 مليار دولار اميركي نهاية 2017. و64% الى الناتج. الدين العام عرضة لتجاوز حجمه الى 132.4 ملياراً في نهاية 2018.

نحو 90% من ايرادات الموازنة والخزانة العراقيتين لا زال من النفط. البصرة أحد أهم صناعة النفط العراقية منبعاً وصادرات. نفطها مصنف أجود أنواع النفوط في العالم والمنطقة العربية مع النفط الليبي. فيها خمسة مرافئ تصدير أشهرها أم قصر وخور الزبير. بالغاً ما بلغ صدأ الفكر السياسي والاداري لدولة، لا يمكن استيعاب البصرة معقلاً للفقر والعوز والبطالة. سكان المدن المرفئية في العالم يُحسدون على وفرة فرص العمل وسلم الرفاه الاجتماعي. ويكتمل المشهد في البصرة، بمياه الشفة والري. المسؤولون العراقيون ومحافظ المدينة يلقون اللوم على ايران بتلويث المياه وملوحتها نتيجة تحويل مسار نهر كارون الذي يمد شط العرب بالمياه، ورمي المخلفات الصناعية والنووية في شط العرب. وبينما أبلغت الحكومة مجلس النواب الذي اجتمع الأحد الماضي قرارها بمدّ البصرة بالمياه عبر الصهاريج، كان الحشد الشعبي والفيالق المسلحة التابعة لايران تهدد بالنزول الى شوارع البصرة لقمع الاحتجاجات.

العبادي استنكر العقوبات الاميركية على ايران. لكنه أكد التزام الحكومة العراقية إياها. الأمر الذي سيزيد من تعقيد العلاقات بين طهران وبين بغداد. وقد باشرت الحكومة العراقية في اجراءات الحماية من شظايا العقوبات. طلبت استثناء تعاملها التجاري مع طهران بالأمر الواقع ورفضت واشنطن. قرار الحكومة (دخل حيز التنفيذ الاثنين 10 أيلول 2018) بوجوب إفصاح العراقيين المتوجهين الى ايران للجمارك العراقية عن أي مبالغ نقدية تتجاوز 10 آلاف يورو، و5 آلاف للعائدين منها، إنما يؤكد جدية بغداد في اقتفاء أثر العقوبات الاميركية. العبادي المتهم بولائه للولايات المتحدة، لم يتمكن بعد من شطب العراق من لائحة الدول الرمادية لمكافحة تبييض الأموال وأموال الارهاب. المالكي المتهم من مجلس النواب العراقي والحكومة وهيئة النزاهة الحكومية بتبديد واختلاس أكثر من 200 مليار دولار اميركي، أورث العراق ملفاً سميكاً من الشك والريبة لدى مجتمع المال الدولي وهيئات مكافحة تبييض الأموال وأموال الارهاب.

ما يزيد من خطورة الوضع في العراق، عدم الاستقرار الذي يواجهه النظام في ايران. الشعب هناك أيضاً يطلب انفاق ثروته على حاجاته ورفاهه. ووضع حد للفساد. لكنه المشروع يعوق ذلك. ويهدد ايران والاقليم. والعراق ممرٌ الزامي.

أضف تعليقك





الرئيسية
من نحن
استشارات
مواقع صديقة
فئات خاصة
أراء ,مقالات و تحقيقات
دراسات ومؤتمرات
القطاع التعليمي، التربوي، الصحة و الدواء
النظام الداخلي للمركز



يوجد حاليا

زائر حالياً  
© جميع الحقوق محفوظة جمعية المركز اللبناني للتدريب النقابي

إن الآراء الواردة في الموقع تمثل أصحابها وليس بالضرورة رأي الجمعية
تصميم و برمجة